تتفاقم الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في اليمن بشكل كبير، جراء التوترات الإقليمية المتصاعدة، حيث تعمل هذه التوترات على تجميد أي بصيص للاستثمار وتضاعف من هشاشة اقتصاد يعاني منذ سنوات.
يواجه الاقتصاد اليمني تبعات عميقة تتجاوز حدود الصراع المباشر، لتؤثر بشكل خاص على اقتصادات هشة مثل الاقتصاد اليمني الذي تأتي التوترات الحالية لتزيد من ترديه. ولم تقتصر التداعيات على سلاسل الإمداد والطاقة، بل امتدت لتشمل الاستثمار، مما يعيد الوضع إلى نقطة الصفر في بيئة كانت تسعى للتعافي بعد أزمات مستمرة لأكثر من عقد.
ويتوقع خبراء اقتصاديون يمنيون أن تكون تأثيرات التوتر الإقليمي أكثر حدة على اليمن نظراً لخصوصية وضعه الاقتصادي، الذي يعاني من انقسام نقدي، وضعف مؤسسي، واعتماد كبير على الواردات والمساعدات والتمويلات الخارجية. ويؤكد هؤلاء الخبراء أن تصاعد التوتر يدفع إلى تسريع وتيرة خروج رؤوس الأموال من الأسواق ذات المخاطر المرتفعة، ويؤدي إلى تجميد قرارات الاستثمار، ورفع تكلفة التمويل والتشغيل.
وفي هذا السياق، يتوقع أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة عدن، محمد جمال الشعيبي، المزيد من التدهور في الاقتصاد المحلي اليمني وهروب رؤوس الأموال، سواء عبر القنوات الرسمية أو غير الرسمية، بسبب تراجع الثقة بالبيئة الاستثمارية. ويقدر الشعيبي أن حجم الأموال القابلة للحركة داخل السوق اليمني قد يشهد نزوحاً سنوياً يتراوح بين 500 مليون إلى 1.5 مليار دولار، وهو ما يشكل ضغطاً مباشراً على السيولة المحلية والاستقرار النقدي.
ويصف الخبير الاقتصادي يوسف شمسان المقطري، الوضع الراهن في اليمن بـ"طعنة في ظهر ميت"، نظراً لأن اليمن يعاني أصلاً من ندرة الاستثمار وهروب رؤوس الأموال. ويضيف أن الصراع الإقليمي يسرّع من نزيف ما تبقى من المدخرات الوطنية، مشيراً إلى أن حجم الأموال الهاربة من اليمن قبل الحرب ناهز 12 مليار دولار خلال عشر سنوات، وأن هذا الرقم قد تضاعف الآن. ويتحكم في سوق المضاربة بالعملة نافذون، مما ينهك العملة المحلية ويعرض المودعين لخسارة أموالهم.
وتشمل القطاعات الأكثر تضرراً قطاع الطاقة الذي توقف فيه الاستثمار تماماً، وقطاع النقل واللوجستيات نتيجة الارتفاع الجنوني في تكاليف التأمين والشحن، بالإضافة إلى قطاع التجارة والمواد الغذائية، خاصة الأسمدة والصناعات الكيماوية التي تأثرت بتوقف صادراتها. كما يتأثر الدعم والمساعدات وحجم التمويلات التنموية، مما يجعل اليمن من الدول المتأثرة بالتبعات الإقليمية، في وقت تشتد فيه الحاجة لجذب الاستثمارات لمشاريع إعادة الإعمار.
ويؤكد الشعيبي أن الاستثمارات تتسم بالحساسية تجاه المخاطر السياسية، مما يدفع رؤوس الأموال للبحث عن بيئات أكثر استقراراً. ويتوقع تأثر قطاعات رئيسية مثل التجارة والاستيراد، والقطاع المالي، وركود محتمل في القطاع العقاري، وارتفاع تكاليف التشغيل. ولا يقتصر التأثير الاقتصادي على وقوع الحرب فعلياً، بل يتأثر أيضاً بالتوقعات وحالة عدم اليقين. وعليه، يواجه الاقتصاد اليمني تحدياً مركباً يتطلب تعزيز السياسات النقدية، ورفع مستوى التنسيق المؤسسي، واستعادة الثقة بالبيئة الاقتصادية.


