يواجه الاقتصاد اليمني عبئاً مالياً هائلاً يتمثل في فوارق أسعار الشحن التي تصل إلى 1.5 مليار دولار سنوياً، نتيجة لتفاقم الأوضاع الاقتصادية المتأثرة بالحرب، وأزمة مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن البحري، فضلاً عن التحديات التي تواجه الموانئ اليمنية وامتناع بعض شركات الشحن عن الوصول إليها مباشرة.
كشفت تحقيقات أجرتها صحيفة "العربي الجديد" بالتعاون مع مختصين في الملاحة والشحن البحري عن أن المستورد اليمني يتحمل تكلفة إضافية تقدر بنحو 3000 دولار للحاوية الواحدة مقارنة بموانئ إقليمية مستقرة. وبتقديرات تشير إلى تداول حوالي 500 ألف حاوية سنوياً عبر مينائي عدن والحديدة، فإن فوارق الشحن المباشر وحدها قد تتراوح بين مليار ومليار ونصف مليار دولار سنوياً. ولا يشمل هذا التقدير الحالات التي تستدعي استخدام موانئ وسيطة، مما قد يضيف ما بين 3000 و5000 دولار إضافية للحاوية نتيجة لإعادة الشحن والمناولة والتخزين والتأخير.
يشير الخبراء إلى أن هذه التكاليف الإضافية لا تمثل مجرد أجرة شحن، بل هي علاوة مخاطر مرتبطة بالحرب وعدم الاستقرار، وارتفاع أقساط التأمين، وضعف الخطوط الملاحية المباشرة. وتنعكس هذه العوامل بشكل مباشر على ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء ومواد البناء، مما يثقل كاهل المواطن اليمني الذي يعاني أصلاً من تواصل ارتفاع الأسعار وشُحّ المعروض في الأسواق المحلية.
تُظهر مقارنات لأسعار شحن حاويات 40 قدماً أن المستورد اليمني يدفع "علاوة مخاطر يمنية". فبينما يبلغ متوسط الزيادة للحاوية الواحدة إلى ميناء عدن حوالي 3000 دولار مقارنة بموانئ مثل دبي وصلالة وجيبوتي، يصل هذا الفارق إلى نحو 3900 دولار للحاوية إلى ميناء الحديدة مقارنة بموانئ البحر الأحمر مثل جدة والسخنة والعقبة، وقد تجاوز 5000 دولار في بعض الفترات. هذه المبالغ الضخمة تنتقل في النهاية إلى أسعار السلع الاستهلاكية.
يؤكد الخبراء أن المشكلة لا تكمن في الموقع الجغرافي الاستراتيجي لموانئ اليمن، بل في عوامل الحرب وعدم الاستقرار، وارتفاع تكاليف التأمين، ومخاطر البحر الأحمر، وضعف انتظام الخطوط الملاحية المباشرة، بالإضافة إلى الاعتماد على موانئ وسيطة. وقد أدى هذا الوضع إلى تحويل الميزة الجغرافية إلى عبء وتكلفة إضافية على الاقتصاد اليمني. ويشكو التجار والمستوردون من تعامل شركات الشحن العالمية مع اليمن بطرق أضرت بمصالحهم، بما في ذلك ترك الحاويات في موانئ غير محددة، أو المطالبة بزيادات في الأسعار، أو التخلي عن الحاويات في بلدان المنشأ، مما تسبب في خسائر تقدر بملايين الدولارات.
يصف الخبير المالي والمصرفي علي التويتي فوارق أسعار الشحن البحري بأنها "استنزاف منهك" للاقتصاد اليمني. وتشمل هذه الفوارق دفعات إضافية تتفاوت بين ميناءي عدن والحديدة، حيث قد يصل الفرق للحاوية الواحدة إلى حوالي 5800 دولار، لأسباب تعزى لشركات الشحن والتأمين، وربما لتأخيرات في نقاط التفتيش البحرية في جيبوتي. وتُضاف هذه المبالغ إلى سعر السلع، إلى جانب الرسوم الجمركية المتعددة في نقاط مختلفة، مما يضاعف أسعار السلع النهائية للمستهلك.
يتوقع العاملون في مجال الشحن التجاري ظهور عوامل إضافية تزيد من صعوبات سلاسل الإمداد، أبرزها تعقيدات تحويل قيمة البضائع المستوردة، وتجاهل الحاويات والشحنات بحجة تكدس البضائع في المصانع والمستودعات نتيجة لأزمة مضيق هرمز. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار شحن الحاويات من بعض الدول الآسيوية من 3500 دولار إلى 6800 دولار. وتعمل الجهات التجارية حالياً على حصر الشحنات والحاويات المتأخرة أو المحتجزة بفعل هذه الأزمات، وتطالب بمعالجة هذه التحديات التي تؤثر بشكل مباشر على توفر السلع وأسعارها في السوق اليمنية.


