تداعيات حرب إيران على الاقتصادات العربية: تفاوت في الصمود وتكاليف باهظة

تداعيات حرب إيران على الاقتصادات العربية: تفاوت في الصمود وتكاليف باهظة

أعادت الحرب في إيران تشكيل المشهد الاقتصادي في المنطقة العربية خلال أسابيع قليلة، حيث تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، وفرضت ضغوطاً جديدة على النمو والتضخم من الخليج إلى شمال أفريقيا.

بدلاً من مسار التعافي الذي كان متوقعاً هذا العام، واجهت اقتصادات المنطقة صدمة كشفت عن تفاوت في القدرة على التحمل. فقد نجحت الدول النفطية نسبياً في امتصاص جزء من الضربة بفضل بدائل التصدير والحيز المالي، بينما تضررت دول أخرى مباشرة من تعطل الإمدادات أو هشاشة بنيتها الاقتصادية. أما الدول المستوردة للطاقة والغذاء، فقد دفعت الثمن عبر تسارع التضخم، وضغط العملات، وارتفاع تكلفة المعيشة. وفي ظل هذه الظروف، بدأت المؤسسات الدولية والبنوك في خفض توقعاتها الاقتصادية على نطاق واسع.

تتفق المؤسسات الدولية على أن الشرق الأوسط دخل مرحلة تباطؤ حاد، حيث تواجه اقتصادات المنطقة إعادة تسعير شاملة لتوقعات النمو، مع تحول الحرب من حدث جيوسياسي إلى صدمة اقتصادية تؤثر على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. وقد خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو المنطقة إلى 1.1% في عام 2026، مقارنة بـ 3.9% في يناير، بانخفاض قدره 2.8 نقطة مئوية. ويشترط التعافي المتوقع إلى 4.8% في عام 2027 بعودة إنتاج الطاقة وحركة النقل إلى طبيعتها، وهو افتراض قد يحتاج إلى مراجعة إذا طال أمد الحرب. وأشار نائب مدير الصندوق، بو لي، إلى أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه "تحديات غير مسبوقة وحالة من الضبابية الاستثنائية بشأن توقعاتها المستقبلية".

تتأثر اقتصادات الخليج بشكل مباشر بتداعيات الحرب من حيث النمو، كونها المصدر الرئيسي للطاقة. وتعرضت دولها لهجمات استهدفت منشآت وموانئ حيوية، بالإضافة إلى اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز. وقد خفض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصادات مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 1.3% في عام 2026، مقارنة بـ 4.4% في عام 2025، بانخفاض قدره 3.1 نقطة مئوية عن تقديرات يناير، نتيجة تراجع الإيرادات المتوقعة من النفط والغاز. وتمتد تداعيات الحرب أيضاً إلى الطلب المحلي والسياحة والتجارة، مع ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب الشحن. وعلى الرغم من هذه الضغوط، تميل دول الخليج إلى الحفاظ على مستويات تضخم منخفضة ومستقرة، مستفيدة من قوة أوضاعها المالية وارتباط عملاتها بالدولار، مدعومة بأساسيات اقتصادية قوية وإصلاحات هيكلية على مدى العقد الماضي.

تُظهر السعودية مرونة في النمو بفضل بنيتها النفطية القوية، حيث استعادت منشآت نفطية رئيسية طاقتها التشغيلية بعد استهدافها، مما يضمن استمرارية تدفق الإمدادات. وتتوقع "بلومبرغ إيكونوميكس" نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 2.9% في عام 2026، وهو أداء مرن في ظل الحرب. وعلى صعيد المالية العامة، يرجح البنك الدولي تراجع عجز الموازنة إلى نحو 3% من الناتج المحلي في عام 2026. وتظل الضغوط التضخمية محدودة، إذ سجل التضخم في السعودية 1.8% في مارس.

في الإمارات، خفض البنك الدولي توقعاته للنمو إلى 2.4% في عام 2026. وعلى الرغم من أن اقتصادها متنوع وقادر على تجاوز تداعيات إغلاق هرمز، إلا أن الحرب أثرت على منشآت الطاقة والموانئ وعمليات الشحن. أما سلطنة عُمان، فتبدو الأقل تأثراً نسبياً بين اقتصادات الخليج، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن تسجل نمواً بنحو 3.5% في عام 2026، مع أقل نسبة خفض في التوقعات على مستوى الخليج. في المقابل، تعد قطر من أكثر الدول تضرراً، حيث توقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصادها بنسبة 8.6% خلال العام الجاري، بسبب توقف منشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال بعد تعرضها لهجوم.

تواجه الكويت ضغوطاً واضحة على مسار النمو، مع اعتماد كبير على النفط وصعوبة إعادة توجيه الصادرات، حيث توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4% في عام 2026. وتبدو البحرين أكثر عرضة للضغوط في ظل محدودية الموارد النفطية واعتماد أكبر على النشاط غير النفطي، حيث توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 0.5% في عام 2026. ويُعد العراق من أكثر الاقتصادات النفطية عرضة للتقلبات، نظراً لاعتماده الأساسي على مضيق هرمز في صادرات النفط، ما جعله شديد الحساسية للاضطرابات، وتوقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد العراق بنسبة 6.8% في عام 2026.

في مصر، واجهت تداعيات الحرب عبر قنوات غير مباشرة، أبرزها كلفة الواردات وسعر الصرف. وقد خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2025-2026 إلى 4.2%، مع توقعات بارتفاع التضخم إلى 13.2% في عام 2026، لتتصدر مصر الدول العربية من حيث مستوى التضخم المتوقع. أما المغرب، فيواصل تسجيل أداء قوي نسبياً، إذ رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنموه هذا العام إلى 4.9%، لكنه يواجه ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على الطلب المحلي والتوازنات المالية، مع توقع تسارع التضخم.

تستفيد الجزائر من ارتفاع أسعار الطاقة، حيث رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد إلى 3.8% خلال العام الجاري، مدعوماً بزيادة عائدات النفط والغاز. وتُعد ليبيا أيضاً من الدول المستفيدة، باعتبارها مصدراً للطاقة خارج نطاق التوترات المباشرة في الخليج، مما يجعل إمداداتها أقل عرضة للاضطرابات. وفي المقابل، يُعد لبنان من أضعف اقتصادات الشرق الأوسط، حيث تفاقمت أزماته المالية المستمرة مع تأثر البلاد المباشر بالصراع، واعتمادها الكبير على الاستيراد يجعلها أكثر عرضة لارتفاع كلفة الواردات واضطرابات الإمدادات.

على صعيد الأسعار والغذاء، سارعت دول الخليج لطمأنة الأسواق بشأن وفرة المخزون الغذائي. ومع ذلك، شهدت بعض المتاجر زيادة في الطلب على السلع الأساسية بدافع التحوط. وفي الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد، مثل مصر والأردن وبلاد الشام، تبدو المخاطر أوضح، حيث يهدد ارتفاع أسعار النفط واضطراب الملاحة في الخليج بزيادة كلفة الغذاء والطاقة. وتُظهر الأرقام تبايناً واضحاً في قدرة الاقتصادات العربية على التعامل مع الصدمة، حيث تبدو الدول التي تمتلك بنية تحتية متقدمة وبدائل لتصدير الطاقة، إلى جانب تنوع اقتصادي وحيز مالي، أكثر قدرة على الحد من التأثيرات. في المقابل، تواجه الاقتصادات الأكثر اعتماداً على مسار تصدير واحد أو قطاع واحد تحديات أكبر، بينما تتحمل الدول المستوردة للطاقة والغذاء ضغوطاً أعلى.