بقلم: علوي الباشا بن زبع*
لم تكن علاقة المملكة العربية السعودية باليمن مجرّد مواقف عابرة، بل مسارًا متصلًا من الثبات واحترام الشرعية والسيادة. منذ رفض الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – لانقلاب 1948، وحتى موقف الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان من انقلاب 2014، ظلّت الرياض تقف على الضفة ذاتها: ضد الفوضى والانقلابات، ومع الدولة المعترف بها دوليًا.
ولنعد إلى بعض المحطات التاريخية من باب الوقائع التي تشهد على ثبات هذا النهج.
⸻
أولًا: 1948 – رفض التغيير بالقوة
عقب اغتيال الإمام يحيى حميد الدين، وتشكيل حكومة ثورية (أو انقلابية) غير معترف بها في صنعاء بقيادة الإمام عبدالله الوزير – رحمهما الله – توجّه وفد منها إلى جدة طالبًا دعم المملكة. وخلال لقائهم بالملك عبدالعزيز آل سعود، قال أحد أعضاء الوفد:
«نُمسك بزمام الأمور، ونحتاج إلى طيرانكم لتأديب القبائل الهمج.»
فكان ردّ الملك عبدالعزيز – كما نقل الصحفي المصري عبدالقادر حمزة في كتاب ليلتان في اليمن – حاسمًا:
«أنتم الهمج، وإلا لما قتلتم شيخًا بلغ التسعين من عمره حارب العثمانيين لاستقلال بلادكم.»
أنهى الملك الاجتماع، ورفض الاعتراف بالحكومة الجديدة، بل أوقف وفد الجامعة العربية في جدة اعتراضًا على شرعنة التغيير بالقوة، رغم أن المملكة كانت قد خرجت حديثًا من نزاع حدودي مع الإمام يحيى لم تلتئم جراحه بعد.
كانت الرسالة واضحة: لا اعتراف بعنف يهدم الدولة.
ثانيًا: 1962 – دعم الشرعية حتى يكتمل الاعتراف الدولي
عندما أطاحت ثورة 1962 بالمملكة المتوكلية، أصرّ الملك سعود بن عبدالعزيز ثم الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمهما الله – على الاعتراف بالنظام الملكي القائم حتى سُحب عنه الغطاء الدولي.
ثم انتقل الموقف السعودي لدعم الجمهورية الوليدة بعد توفر شرعيتين:
1.اعتراف خارجي واسع.
2.مصالحة وطنية اختيارية جمعت بين الملكيين والجمهوريين.
لاحقًا، غطّت السعودية كامل عجز ميزانية الجيش والتعليم في الدولة الجديدة، ورعت مؤتمرات المصالحة في حرض والطائف وخَمر، حتى خرجت الجمهورية بجيش واقتصاد وتنمية قابلة للحياة.
وظلّت بصمات المملكة الأبرز في دعم هذه الدولة الجديدة ومساندة استقرارها.
ثالثًا: 2011 – مساندة الدولة رغم الخلاف مع النظام
رغم العلاقة الفاترة حينها بين المملكة والرئيس علي عبدالله صالح – رحمه الله – فإن السعودية بقيادة الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – لم تتخلَّ عن الدولة.
فقد:
•رفضت الاعتراف بالمجلس الوطني المعارض، رغم أن بعض العواصم فعلت.
•صاغت المبادرة الخليجية بالتعاون مع بقية دول الخليج لضمان انتقال سياسي سلمي لا يُسقط مؤسسات الدولة.
وقد كنت حينها عضوًا في المجلس الوطني، وأذكر أنني التقيت مسؤولًا سعوديًّا كبيرًا واقترحت عليه أن يزور وفد من المجلس الوطني الرياض لسماع وجهة نظر المعارضة.
فقال لي بكل وضوح:
«نحن نعمل من أجل سلامة الدولة اليمنية. السعودية لا تعترف بتغيير قسري، ولا تتخلى عن دولة قائمة مهما اختلفنا مع قيادتها. لأن انهيار الدول كارثة لا يمكن سدّ فراغها.»
كانت كلماته صريحة وصادقة، أحدثت في داخلي تحولًا جذريًا في قناعتي، وجعلتني أُدرك مدى خطورة سقوط الدولة واستحالة تعويض مؤسساتها إذا انهارت.
رابعًا: 2014 – عاصفة الحزم دفاعًا عن الشرعية
عندما اجتاحت المليشيات الحوثية العاصمة صنعاء، وقفت المملكة بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – سدًّا منيعًا:
•وحّدت الموقف الدولي في مجلس الأمن لرفض الانقلاب.
•دعمت بقايا الجيش والمقاومة الشعبية في جميع المحافظات.
•وعندما اقتربت المليشيات من العاصمة المؤقتة عدن، أعلن ولي العهد أن “عدن خط أحمر”، فأُطلقت عاصفة الحزم التي أعادت نحو 70٪ من الأراضي إلى سيطرة الحكومة اليمنية في وقت وجيز.
ومنذ ذلك الحين، قدّمت المملكة والإمارات في التحالف العربي دعمًا ماليًا وعسكريًا ودبلوماسيًا غير مسبوق، وهو دعم مستمر حتى اليوم لمجلس القيادة الرئاسي بقيادة الدكتور رشاد العليمي – حفظه الله – ورفاقه في مجلس القيادة الرئاسي.
خامسًا: ثبات المبدأ حتى الان 2025
على مدى أكثر من سبعة عقود، ظلّت ثوابت السياسة السعودية تجاه اليمن كما هي:
1.سيادة الدول خط أحمر.
2.لا شرعية لانقلاب أو تغيير بالقوة.
3.دعم الدولة القائمة حتى يتفق اليمنيون على بديل وطني جامع.
4.السعي الدائم للمصالحة لا للفوضى.
خاتمة
من 1948 حتى 2025 لم تتغيّر بوصلة المملكة العربية السعودية تجاه اليمن: دعم الدولة، ورفض الفوضى، واحترام الإرادة الوطنية والشرعية الدولية.
أما ما يُشاع من مزاعم عن أطماع سعودية في اليمن، فهو حديث مردود، تنفيه سبعة عقود من الدعم،والاسناد.


