تتجدد الدعوات في اليمن لإنشاء صندوق سيادي لإدارة عائدات النفط، في ظل أزمة مالية خانقة وتداعيات التوترات الإقليمية التي أثرت على الإمدادات وارتفاع أسعار النفط. ويأتي هذا المقترح في وقت تعاني فيه البلاد من تدهور الإيرادات العامة، ونقص حاد في التمويل اللازم لتشغيل الخدمات الأساسية ودفع الرواتب، مع مخاوف متزايدة من تراجع الدعم السعودي.
يُعيد الوضع الاقتصادي المتأزم في اليمن، والذي تفاقم بسبب الحرب والتوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، طرح فكرة إنشاء صندوق لإدارة عائدات النفط. تعاني اليمن من انهيار الإيرادات العامة، وشح في الإمدادات، مما ينعكس سلباً على الأسواق، والمخزون التمويني، والوقود، والرواتب، والخدمات الأساسية كالكهرباء. ومع الاعتماد الكامل على الدعم السعودي، تبرز مخاوف حقيقية من تقلص هذا الدعم، الذي كان له دور حيوي في تشغيل محطات الكهرباء، ودعم المشاريع التنموية والخدمية، وتمويل رواتب الموظفين، وتغطية عجز الموازنة.
في هذا السياق، يقترح خبراء اقتصاديون إنشاء صندوق سيادي لعائدات النفط، وهو مقترح يتطلب توافقاً بين الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين، الذين يمنعون تصدير النفط منذ أكتوبر 2022. يرى الخبير اليمني في اقتصاد الحرب، يوسف شمسان المقطري، أن الوقت قد حان لإنشاء هذا الصندوق للاستفادة من أموال التصدير عند إحلال السلام، وسداد الديون الداخلية، وتسريع عملية التعافي. وأشار المقطري إلى أن أي اضطراب في سلاسل التوريد للطاقة المستوردة يزيد من فاتورة الاستيراد ويرفع التضخم.
ويوضح المقطري أن "الموارد في الدولة الهشة هي وقود للصراع"، وأن "التصدير المشروط بالحوكمة الدولية" عبر الصندوق يمكن أن يشكل آلية "لعزل الوقود عن النار". ومع ذلك، يبدو أن هناك خلافات بين الأطراف حول آلية إدارة هذه العائدات. ففي حين يرى المقطري أن آلية الصندوق السيادي هي الحل، يوضح المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية، فارس النجار، أن خريطة الطريق الاقتصادية لا تتضمن إدارة مشتركة للصندوق، معتبراً ذلك مساواة بين الحكومة الشرعية والميليشيات. ويؤكد النجار على أهمية عودة صادرات النفط والغاز لتغطية عجز الموازنة ودفع الأجور، لكنه يرفض أي حديث عن إدارة مشتركة للصندوق دون الأخذ في الاعتبار الإيرادات التي تحصل عليها الحوثيون.
يُشدد النجار على أن عودة تصدير النفط والغاز خطوة بالغة الأهمية، ويدعو إلى تشكيل فريق قانوني لإعادة صياغة اتفاقيات تصدير الغاز مع الشركات العاملة في قطاع بلحاف. ويرى أن طفرة أسعار النفط والغاز، رغم العجز الكبير في الموازنة، تمثل فرصة حقيقية للبلاد للحصول على إيرادات تساعد الحكومة الشرعية على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية وانتظام دفع الأجور، والمساهمة في استقرار أسعار الصرف والسلع والخدمات. وأشار إلى أن اليمن يقع في منطقة "الوفرة النسبية" للموارد الهيدروكربونية، وأن وقف التصدير، رغم أنه جنّب "الشرعية" صراعاً داخلياً، إلا أنه استنفد مفعوله الآن ويشكل "موتاً بطيئاً".
وعلى الرغم من وجود معوقات هيكلية، مثل استقرار شبكات الريع التي تستفيد من توقف التصدير، وتآكل قدرة الدولة المؤسسية، يرى الخبراء أن طفرة الأسعار حوّلت الصندوق السيادي من "فكرة تنموية" إلى "ضرورة إنقاذ عاجلة". ويُقدر الخبراء أن اليمن يخسر 70% من موارده بسبب توقف التصدير، وأن الدعم السعودي يتراجع، وأن الحصار وإغلاق مضيق هرمز يشددان الخناق على واردات اليمن النفطية، ويرفعان كلفة الشحن والتأمين. في هذا السياق، تُعد طفرة النفط المصدر الوحيد المتبقي للتمويل غير التضخمي، والذي يمكن أن يوفر موارد كبيرة لدعم الاقتصاد اليمني المتعثر.


